غالبًا تكون الصورة أبلغ من البيان، لكنها في السياسة الدولية قد تكون أكثر خداعًا. فالمصافحة التي تبدو دافئة على البساط الأحمر قد تُخفي وراءها مفاوضات شاقة، والاستقبال الذي يفيض بالمراسم قد يعبّر عن حجم الخلاف لا عن نهايته، والطائرات التي تحلق في السماء قد تشي بشيء ما، بينما الرجل الذي ينظر إليها قد يرد على أزيزها بصمته وثباته.
لهذا بدت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى واشنطن، في لحظتها الأولى، مشهدًا مكتمل الدلالات قبل أن تبدأ المفاوضات. إلا أن السياسة لا تُقرأ من الصور وحدها. ففي مساء الأربعاء الثالث والعشرين من سبتمبر الجاري، وفي قاعدة أندروز بولاية ماريلاند، كان الرئيس دونالد ترامب في انتظار الضيف بنفسه، في خروج عن المألوف؛ إذ جرت العادة أن يستقبل الرئيس الأمريكي ضيوفه لدى عتبات البيت الأبيض، حيث تُقام المراسم الرسمية, لا على مدرج المطار. وقد وصفت "رويترز" الاستقبال بأنه الأول من نوعه منذ أحد عشر عامًا، بينما رأت "واشنطن بوست" فيه إشارة إلى حفاوة استثنائية أراد ترامب إظهارها تجاه شي.
لم يتوقف الأمر عند المطار؛ كان هناك بساط أحمر، حرس شرف، أعلام، إحدى وعشرون طلقة، ومقاتلات أمريكية وقاذفتان من طراز (B-1) في سماء القاعدة، في صورة احتفالية نادرة لاستقبال رئيس دولة, على حد وصف "الشرق بلومبرج".
ثم جاءت اللقطة التي اختصرت روح الزيارة كلها. كان هدير الطائرات شديدًا، حتى بدا ترامب للحظات، بحسب ما أوحت به لغة جسده، متفاعلاً مع ضجيجها، بينما ظل شي واقفًا يتابع المشهد بهدوء وثبات, دون رد فعل مماثل. ولا يمكن بناء حكم على موقف الرجل النفسي من ثوانٍ عابرة، لكن الصورة ظلت بالغة التعبير سياسيًا: واشنطن تعرض جانبًا من قوتها أمام ضيفها، والضيف يراقب الاستعراض دون أن يُنقص المشهد من هدوئه شيئًا.
واللافت أن هذه الحفاوة أثارت انتقادات داخل الولايات المتحدة؛ فبينما أراد ترامب أن يجعل الاستقبال رسالة إلى بكين، رأى البعض أن المراسم ذهبت بعيدًا في تكريم رئيس دولة تمثل بلاده المنافس الاستراتيجي الأكبر لواشنطن. إلا أن الصورة كانت تُخفي تناقضًا يستحق التوقف: أكبر منافس لأمريكا يدخل أراضيها في استقبال يليق بحليف، بينما تظل ملفات الخلاف بين البلدين مفتوحة تقريبًا كما هي.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية ..
فالحفاوة لم تكن إعلانًا عن نهاية المنافسة، كما أن الاستعراض العسكري لم يكن مقدمة لمواجهة. كان الطرفان يعرفان أن العلاقة بينهما بلغت من التشابك حدًّا تصبح معه القطيعة مكلفة، وأن المنافسة إذا خرجت عن السيطرة قد تتحول إلى أزمة تتجاوز بلديهما إلى الاقتصاد العالمي بأسره. لهذا جاءت الزيارة أقرب إلى محاولة لإدارة التنافس وضبط الملفات الخلافية منها إلى حسمها. وقد وصفت "رويترز" نتائج القمة بأنها تمديد للهدنة التجارية لشهرين مع استمرار الخلافات في الملفات الرئيسية، ورأت تغطيات دولية أخرى أن الزيارة كانت ثقيلة في رمزيتها ومراسمها ومحدودة في قدرتها على اختراق جدران القضايا الصعبة.
تم الاتفاق على مواصلة التفاوض التجاري، وعلى ترتيبات تخص بعض السلع والرسوم، وظهرت تفاهمات بشأن الطاقة والمعادن الحيوية. لكن ذلك كله جاء داخل هدنة مؤقتة، لا اتفاق يعيد صياغة العلاقة الاقتصادية من أساسها. وهنا يصبح وصف "الهدنة" أدق من "التسوية"؛ ففي قلب العلاقة تنافس أوسع من ميدان رسوم جمركية، يمتد إلى ذكاء اصطناعي, رقائق إلكترونية, سلاسل إمداد, ومعادن أرضية نادرة، وهي ملفات تحولت مؤخرًا إلى أوراق اقتصادية وأمنية في آن واحد.
وفي تطور يعكس طبيعة العلاقة، اتفق البلدان المتنافسان على قيادة عصر الذكاء الاصطناعي، على إنشاء قناة حوار بشأن مخاطره، إلى جانب مواصلة الاتصالات العسكرية لتجنب سوء التقدير. وهنا تتجلى المفارقة: قوتان تتنافسان على التكنولوجيا نفسها، لكنهما تحتاجان إلى آليات تمنعها من أن تصبح مصدر أزمة بينهما.
أما تايوان فبقيت أصعب نقاط الخلاف؛ تحدث شي عنها، بينما لم تعلن واشنطن تغييرًا في سياستها المعلنة تجاهها، ولم يخرج اتفاق يطوي الملف أو يغير قواعده. لذلك فإن واحدة من أهم القضايا التي تحمل خطر الصدام بين القوتين ظلت خارج مظلة أي تسوية نهائية. والأمر نفسه ينطبق على المعادن النادرة والقيود التجارية، فضلاً عن الخلاف حول إيران. بمعنى آخر، عاد شي من واشنطن باتفاقات محددة، لكنه لم يعد باتفاق يعيد تعريف العلاقة الأمريكية الصينية.
وهنا يصبح مشهد الحفاوة أكثر إثارة للتأمل.. فكل هذا البذخ البروتوكولي لم يلغِ الخلافات، والطائرات لم تمنح واشنطن ورقة إضافية تحسم بها التفاوض، والابتسامات أمام الكاميرات لم تُسقط من الطاولة ملفات تايوان والتكنولوجيا والتجارة. وقد أشارت "رويترز" إلى أن الأيام الثلاثة حملت كثيرًا من الدبلوماسية الشخصية مع محدودية الاختراقات العلنية. لقد كان المشهد كله يقول شيئًا واحدًا: نحن مختلفون إلى حد بعيد، لكننا نحتاج إلى أن نظل قادرين على الحديث.
وربما لم يكن اختيار الأرشيف الوطني، بما يحمله من وثائق تؤرخ لتأسيس الدولة الأمريكية، في ختام الزيارة خاليًا من الدلالة؛ فقد اصطحب ترامب شي إليه، في مشهد رمزي بدا كأنه يضع العلاقة بين البلدين أمام صفحات أقدم من خلافاتهما الراهنة.
كان ذلك مشهد واشنطن ... وقبلها بأسابيع قليلة كان شي في القاهرة. وهنا لا تتغير العاصمة فقط، بل تتغير معها الحكاية نفسها. ففي مصر لم يكن الرئيس الصيني أمام ندٍّ يحاول منع المنافسة من الانفجار، بل أمام شريك تربطه به شراكة استراتيجية تقوم على قاعدة واسعة من المشاريع والتعاون.
ففي مطلع سبتمبر استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي شي في زيارة دولة تزامنت مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وكانت الحفاوة حاضرة في القاهرة أيضًا، بمراسم كاملة في قصر الاتحادية شملت حرس الشرف وطلقات المدفعية وعزف السلامين الوطنيين. غير أن الفارق لم يكن في حجم الحفاوة، وإنما فيما حملته الزيارة وراء مراسمها؛ ففي ختامها صدر بيان مشترك طويل حدّد ملفات عملية يُنتظر أن تُشكل مسار التعاون في السنوات المقبلة.
فالبيان لم يكتفِ بتأكيد زيادة التبادل التجاري والاستثماري، بل اتجه إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية داخل مصر، مع التوسع في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات ومراكز البيانات وسلاسل إمداد المعادن الحرجة. وأعلن الرئيس السيسي الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لتظهر القناة لا كممر مائي فحسب، بل كجزء من المعادلة الصناعية والاستثمارية نفسها.
فالبيان تحدث صراحة عن تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يربط آسيا وإفريقيا وأوروبا. وهذه ليست لغة زيارة بروتوكولية عابرة، بل تصور لعلاقة تريد القاهرة وبكين أن تمنحاها بعدًا إنتاجيًا ممتدًا. ورغم اتساع الشراكة فهي ليست بلا تحديات؛ فالهدف المصري ليس زيادة الواردات الصينية فقط، بل تحويل الوجود الصيني إلى قيمة مضافة أكبر: صناعة وتكنولوجيا وصادرات وفرص نفاذ إلى أسواق أخرى.
وهنا يصبح الفرق بين الزيارتين أكثر وضوحًا. في واشنطن كان السؤال: كيف يمكن لقوتين تتنافسان على قيادة العالم أن تديرا خلافاتهما دون أن تتحول المنافسة إلى صدام؟
أما في القاهرة فكان السؤال: كيف يمكن لشريكين أن يوسعا مساحة التعاون ويحوّلا الموقع الجغرافي إلى إنتاج وتجارة وتكنولوجيا؟
في واشنطن كانت الهدنة التجارية محاولة لشراء الوقت، واحتاج الطرفان إلى قنوات اتصال حتى لا تنفلت الخصومة. أما في القاهرة كانت المنطقة الصناعية محاولة لبناء المستقبل، واحتاجا إلى مشاريع واتفاقات حتى تتسع الشراكة.
وهنا تكمن الدلالة الأهم لرحلة شي بين العاصمتين.
فالصين لا تدخل كل علاقة بالطريقة نفسها، والولايات المتحدة لا تستطيع التعامل مع بكين بمنطق واحد في كل الملفات، ومصر لا ترى العالم اختيارًا بين شرق وغرب؛ فعلاقتها بالصين تتوسع دون أن تختزل سياستها الخارجية في علاقة واحدة.
إنها توازنات عالم جديد، تتعدد فيه مراكز القوى وتتقاطع فيه طرق النفوذ.
ومصر تمتلك في لعبة التوازنات ورقة قوة رابحة لا تحتاج إلى شرائها أو استعارتها من أحد: الجغرافيا. قناة سويس، بحر أحمر، بحر متوسط، موقع بين ثلاث قارات، كلها ليست خطوطًا على الخريطة، وإنما أصول اقتصادية واستراتيجية يمكن أن تتحول إلى صناعة وتجارة واستثمار ونفوذ. لذلك لا تكمن القيمة الحقيقية لزيارة شي إلى القاهرة في عدد الاتفاقات التي وُقّعت، بل في السؤال الذي طرحته: ماذا يمكن أن تفعل مصر بموقعها في عالم تتصارع فيه القوى الكبرى على الطرق والأسواق والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد؟
وهنا يصبح المشهد كله أكثر وضوحًا..ففي واشنطن حملت المراسم رسالة بأن المنافسة يمكن أن تبقى تحت السيطرة، وكان التفاوض على مساحة للهدوء، أما في القاهرة حملت الاتفاقات رسالة شراكة تتجه إلى تعاون جديد، وكانت مصر تفاوض على مساحة أكبر في المستقبل. فالأولى كانت محاولة لمنع الماضي من الانفجار، والثانية محاولة لصناعة الغد.
ولعل هذه هي المفارقة التي تستحق أن تبقى؛ فالقوة ليست في طائراتٍ تحلق فوق الرؤوس، ولا في طلقاتٍ ترافق الاستقبال، ولا في طول وعرض البساط الأحمر. قد تكون القوة في أن تعرف ماذا تريد من موقعك، وكيف تحوّل هذا الموقع إلى فرصة، وكيف تجعل الآخرين يحتاجون إلى الطريق الذي يمر عبر أراضيك.
لهذا لا تبدو رحلة شي من القاهرة إلى واشنطن مجرد انتقال بين عاصمتين؛ إنها صورة لعالم جديد تتجاور فيه القوة العسكرية مع القوة الاقتصادية، والتكنولوجيا مع الجغرافيا، والمنافسة مع الحاجة إلى التعاون. وفي هذا العالم، مصر ليست مطالبة بأن تختار الطريق الذي يسلكه الآخرون، فهي تملك موقعًا لا يمكن تجاهل قيمته الاستراتيجية. وإذا ما أحسنت استثمار جغرافيتها، وتوطين صناعتها، وجذب التكنولوجيا، وتنويع شراكاتها، وتحويل قناة السويس من ممر للعبور إلى منصة للإنتاج والخدمات، وأحسبها قادرة على ذلك، بل وتسعى إليه سعيًا حثيثًا، فإن الجغرافيا التي وضعتها في قلب حركة العالم يمكن أن تتحول إلى واحدة من أهم أدواتها في صناعة غدها.
فمن القاهرة لا تمر الطرق فحسب.. بل من القاهرة يمكن أن تبدأ الطرق.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
غالبًا تكون الصورة أبلغ من البيان، لكنها في السياسة الدولية قد تكون أكثر خداعًا. فالمصافحة التي تبدو دافئة على البساط...
ليست كل التحولات الكبرى في السياسة الدولية وليدة تحالفات جديدة، ولا تبدأ دائمًا بإعلان خصومة مع قوة قائمة؛ فقد يبدأ...
واقعٌ جديدٌ فرضه تدفق آلاف البلاغات الإلكترونية والفبركة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بين سرعة التثبت ودقة الفحص الجنائي للوصول إلى...
في عالمٍ لا تكتفي فيه الذاكرة الإنسانية بتدوين الأحداث العابرة، بل تحفر في صخر الزمن ملامح الخلود، تتقاطع خطى الأولين...